مع التطورات التكنولوجية المتسارعة بات الفضاء الإلكتروني جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية بكافة تفاصيلها، ففي السنوات الأخيرة كنا شاهدين على التحول الجذري في نمط استهلاك المحتوى الترفيهي، حيث انتقل الثقل من الوسائط التقليدية مثل التلفزيون والراديو والأقراص المدمجة، إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات البث الإلكتروني التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من تفاصيل حياتنا اليومية. فبات الوصول إلى الأفلام والمسلسلات والموسيقى متاحاً في أي وقت ومن أي مكان وبضغطة زر واحدة، مدفوعاً بالتطور السريع في تقنيات الإنترنت والأجهزة الذكية. 
ومع هذا الانفتاح الرقمي الهائل، لم يعد المحتوى الترفيهي مجرد وسيلة للمتعة، بل أصبح عنصراً أساسياً في أسلوب الحياة الحديث، غير أن هذا التطور صاحبه بروز تحديات أمنية متزايدة، تهدد سلامة المستخدمين وأجهزتهم وبياناتهم الشخصية، ما يجعل تعزيز الإجراءات الأمنية أثناء التصفح والتنزيل والبث ضرورة لا غنى عنها، وليست مجرد خيار تقني يمكن تجاهله.
إن تعزيز الإجراءات الأمنية أثناء التواجد على شبكة الإنترنت لم يعد ترفاً تقنياً أو إجراءً احترازياً محدود الأثر، بل أصبح ضرورة حتمية لحماية الهوية الرقمية والخصوصية الشخصية في عالم تتسارع فيه وتيرة الهجمات السيبرانية، وتتطور فيه أساليب الاحتيال الرقمي بشكل غير مسبوق، فالمستخدم العادي قد لا يدرك أن مجرد زيارة موقع بث غير موثوق أو تحميل ملف موسيقي مجاني قد يفتح الباب أمام تهديدات خطيرة تمتد آثارها إلى الجوانب المالية والشخصية وحتى المهنية.
وتكمن الخطورة الأساسية في اللجوء إلى المواقع غير الرسمية أو ما يُعرف بمواقع «القرصنة» لمشاهدة الأفلام أو تحميل الموسيقى، حيث تشكل هذه المنصات بيئة خصبة لانتشار البرمجيات الخبيثة (Malware) وبرامج التجسس وفيروسات الفدية. فعند قيام المستخدم بالنقر على رابط غير موثوق أو تحميل ملف من مصدر مجهول، فإنه فعلياً يفتح ثغرة في جدار الحماية الخاص بجهازه، مما قد يسمح بتسلل برامج خفية تقوم بمراقبة نشاطه اليومي، أو تسجيل ضغطات لوحة المفاتيح، أو سرقة بيانات الدخول إلى الحسابات المصرفية والبريد الإلكتروني، أو حتى السيطرة الكاملة على الجهاز دون علم المستخدم.
وفي المقابل، فإن استخدام المنصات الموثوقة والمعتمدة عالمياً يوفر مستوى أعلى من الأمان، حيث تلتزم هذه المنصات بمعايير أمان صارمة، وتطبق بروتوكولات تشفير متقدمة لحماية بيانات المشتركين، إضافة إلى خضوعها لرقابة قانونية وتقنية مستمرة، كما تضمن هذه المنصات سلامة المحتوى المعروض وخلوه من الفيروسات الضارة، ما يمنح المستخدم تجربة ترفيهية آمنة ومستقرة بعيداً عن المخاطر غير المرئية.
من جانب آخر فإن حماية البيانات الشخصية لا تقتصر فقط على تجنب الفيروسات والبرمجيات الخبيثة، بل تمتد لتشمل الحفاظ على الخصوصية الرقمية ومنع التتبع غير المشروع، فالكثير من المواقع المشبوهة تعتمد على تقنيات تتبع متقدمة تقوم بجمع معلومات دقيقة عن اهتمامات المستخدم، وسلوكياته الرقمية، وموقعه الجغرافي، بل وحتى نوع جهازه ونظام التشغيل المستخدم. وغالباً ما يتم استغلال هذه البيانات في حملات التصيد الاحتيالي (Phishing) أو بيعها لجهات خارجية دون علم المستخدم أو موافقته.
في المقابل، تلتزم المنصات القانونية بسياسات خصوصية واضحة وشفافة (Privacy Policies)، تحدد بدقة كيفية جمع البيانات واستخدامها، وتمنح المستخدمين قدراً أكبر من التحكم في معلوماتهم الشخصية، كما توفر هذه المنصات بيئة خالية من الإعلانات المنبثقة المشبوهة التي غالباً ما تحتوي على روابط ضارة أو تؤدي إلى مواقع احتيالية. ومن هنا، يبدأ الوعي الأمني الحقيقي من اختيار المصدر الموثوق، ولا ينتهي إلا بتأمين الحسابات الشخصية من خلال استخدام كلمات مرور قوية، وتحديثها بشكل دوري، وتفعيل تقنيات المصادقة الثنائية كلما أمكن ذلك.
إضافة إلى ذلك يلعب تعزيز الأمن الرقمي دوراً محورياً في الحفاظ على أداء الأجهزة وكفاءتها وطول عمرها الافتراضي، فالبرمجيات الخبيثة المنتشرة عبر مواقع البث غير القانونية قد تستهلك موارد الجهاز بشكل كبير، مما يؤدي إلى بطء ملحوظ في الأداء، وارتفاع استهلاك الطاقة، ونفاد البطارية بسرعة في الأجهزة المحمولة وفي بعض الحالات، قد تتسبب هذه البرمجيات في تلف المكونات الداخلية نتيجة عمليات خفية تستغل قدرة المعالج وبطاقة الرسوميات دون علم المستخدم.
لذلك، فإن الاستثمار في الاشتراكات الرسمية والخدمات الموثوقة لا يُعد تكلفة إضافية بقدر ما هو استثمار في سلامة الأجهزة وحماية البيانات، وتجنب خسائر أكبر قد تنتج عن أعطال تقنية أو فقدان معلومات حساسة لا يمكن استرجاعها. كما يسهم ذلك في تقليل الحاجة إلى الصيانة المتكررة أو اللجوء إلى حلول إصلاح مكلفة.
وفي الختام، يمكن القول، إن الاستمتاع بالمحتوى الرقمي يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع مستوى عالٍ من الوعي واليقظة الأمنية، فالالتزام باستخدام المنصات الموثوقة واتباع إجراءات الحماية الصارمة لا يهدف فقط إلى تجنب المشكلات التقنية، بل يعكس ثقافة رقمية مسؤولة تسعى إلى خلق بيئة افتراضية آمنة ومستقرة للجميع. إن الحفاظ على سلامة أجهزتنا وبياناتنا هو مسؤولية فردية تبدأ بقرار واعٍ يضع الجودة والأمان فوق الحلول المجانية المشبوهة، لضمان تجربة ترفيهية متكاملة تجمع بين المتعة والطمأنينة في آن واحد.
*رئيس مجلس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات